ابن رشد
247
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب اللقطة والنظر في اللقطة في جملتين : الجملة الأولى : في أركانها . والثانية : في أحكامها . الجملة الأولى : والأركان ثلاثة : الالتقاط ، والملتقط ، واللقطة . فأما الالتقاط فاختلف العلماء هل هو أفضل أم الترك ؟ فقال أبو حنيفة : الأفضل الالتقاط ، لأنه من الواجب على المسلم أن يحفظ مال أخيه المسلم . وبه قال الشافعي ، وقال مالك وجماعة بكراهية الالتقاط ، وروي عن ابن عمر وابن عباس ، وبه قال أحمد ، وذلك لامرين : أحدهما ما روي أنه ( ص ) قال : ضالة المؤمن حرق النار ولما يخاف أيضا من التقصير في القيام بما يجب لها من التعريف وترك التعدي عليها ، وتأول الذين رأوا الالتقاط أول الحديث وقالوا : أراد بذلك الانتفاع بها لا أخذها للتعريف ، وقال قوم : بل لقطها واجب . وقد قيل إن هذا الاختلاف إذا كانت اللقطة بين قوم مأمونين والامام عادل . قالوا : وإن كانت اللقطة بين قوم غير مأمونين والامام عادل فواجب التقاطها . وإن كانت بين قوم مأمونين والامام جائز فالأفضل إن لا يلتقطها . وإن كانت بين قوم غير مأمونين والامام غير عادل فهو مخير بحسب ما يغلب على ظنه من سلامتها أكثر من أحد الطرفين ، وهذا كله ما عدا لقطة الحاج ، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك ، ولقطة مكة أيضا لا يجوز التقاطها إلا لمنشد لورود النص في ذلك ، والمروي في ذلك لفظان : أحدهما : أنه لا ترفع لقطتها إلا لمنشد . والثاني : لا يرفع لقطتها إلا منشد ، فالمعنى الواحد أنها لا ترفع إلا لمن ينشدها ، والمعنى الثاني لا يلتقطها إلا من ينشدها ليعرف الناس . وقال مالك : تعرف هاتان اللقطتان أبدا . فأما الملتقط فهو كل حر مسلم بالغ لأنها ولاية ، واختلف عن الشافعي في جواز التقاط الكافر . قال أبو حامد : والأصح جواز ذلك في دار الاسلام . قال : وفي أهلية العبد والفاسق له قولان : فوجه المنع عدم أهلية الولاية ، ووجه الجواز عموم أحاديث اللقطة . وأما اللقطة بالجملة فإنها كل مال لمسلم معرض للضياع كان ذلك في عامر الأرض أو غامرها ، والجماد والحيوان في ذلك سواء إلا الإبل باتفاق . والأصل في اللقطة حديث يزيد بن خالد الجهني . وهو متفق على صحته أنه قال : جاء رجل إلى